الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
77
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الاهتداء بهديه . وتأكيد الخبر بلام القسم وحرف التحقيق منظور فيه إلى حال الفريق الذين لم يتدبروا القرآن وطعنوا فيه وأنكروا أنه من عند اللّه . والتعريف في الناس للاستغراق ، أي لجميع الناس ، فإن اللّه بعث محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم للناس كافة . وضرب المثل : ذكره ووصفه ، وقد تقدم في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا في سورة البقرة [ 26 ] . وتنوين مَثَلٍ للتعظيم والشرف ، أي من كل أشرف الأمثال ، فالمعنى : ذكرنا للناس في القرآن أمثالا هي بعض من كل أنفع الأمثال وأشرفها . والمراد : شرف نفعها . وخصّت أمثال القرآن بالذكر من بين مزايا القرآن لأجل لفت بصائرهم للتدبر في ناحية عظيمة من نواحي إعجازه وهي بلاغة أمثاله ، فإن بلغاءهم كانوا يتنافسون في جودة الأمثال وإصابتها المحزّ من تشبيه الحالة بالحالة . وتقدم هذا عند قوله تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً في سورة الإسراء [ 89 ] ، وتقدم في قوله : وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ في سورة الروم [ 58 ] . ومعنى الرجاء في لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ منصرف إلى أن حالهم عند ضرب الأمثال القرآنية كحال من يرجو الناس منه أن يتذكر ، وهذا مثل نظائر هذا الترجي الواقع في القرآن ، وتقدم في سورة البقرة . ومعنى التذكر : التأمل والتدبر لينكشف لهم ما هم غافلون عنه سواء ما سبق لهم به علم فنسوه وشغلوا عنه بسفساف الأمور ، وما لم يسبق لهم علم به مما شأنه أن يستبصره الرأي الأصيل حتى إذا انكشف له كان كالشئ الذي سبق له علمه وذهل عنه ، فمعنى التذكر معنى بديع شامل لهذه الخصائص . وهذا وصف القرآن في حدّ ذاته إن صادف عقلا صافيا ونفسا مجردة عن المكابرة فتذكر به المؤمنون به من قبل ، وتذكّر به من كان التذكّر به سببا في إيمانه بعد كفره بسرعة أو ببطء ، وأما الذين لم يتذكروا به فإن عدم تذكرهم لنقص في فطرتهم وتغشية العناد لألبابهم . وكذلك معنى قوله : لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . وانتصب قُرْآناً على الحال من اسم الإشارة المبيّن بالقرآن ، فالحال هنا موطئة لأنها توطئة للنعت في قوله تعالى : قُرْآناً عَرَبِيًّا وإن كان بظاهر لفظ قُرْآناً حالا